فوزي آل سيف

71

فقه العلاقات الاجتماعية

فالذي يمكن ترجيحه ، هو ما قاله المحقق والعلامة الحليان والشيخ الكركي والشهيد الثاني من كون المسألة عرفية .. وربما يضاف إلى هذا بعض الوجوه الاعتبارية في استبعاد ما سيأتي من كون حدود الجار أربعين ذراعاً ، أو أربعين داراً .. بعد حملها على الظروف الزمانية الخاصة حين صدور الروايات ، فإن مثل الأربعين ذراعاً ( وهو ما يعادل عشرين متراً تقريباً ) لا يكون إلا بيت واحد في مثل هذه الأزمنة ، واربعين داراً ( من كل الجهات تعني مائة وستين بيتاً ) في هذه الأزمنة تعني حيا كاملاً كبيراً .. مما يبعد إرادة أحد هذين المعنيين .. لا سيما مع ملاحظة أن بعض هذه الروايات لسانها لسان التطبيق لا التحديد ، كما في قول : كل أربعين داراً جار.. ووجّه صاحب الجواهر الروايات الأخر بأنها قد تكون بمعنى جوار الشرف .. كمجاورة ساكني البلد لقبور المعصومين عليهم السلام . وأما في رأي فقهاء الجمهور ، فقد قال الشافعي ( لو أوصى بمال لجيرانه يقسم في ) : من كان بينه وبين أربعون داراً من كل وجه . وقال أبو حنيفة : جيرانه : الجار الملاصق . وقال أبو يوسف : جيرانه : أهل دربه . وقال محمد : أهل محلته .وقال أحمد بن حنبل : جيرانه : أهل مسجده وجماعته ، ومن سمع الأذان من مسجده [216]. ويلاحظ أنه باستثناء قول الشافعي ، وأبي حنيفة ، فإن بقية الأقوال يمكن أن ترجع إلى النظر العرفي ، وأنها تطبيقات لفهم العرف من لفظة الجار ، فقد تنطبق على أهل الدرب ، أو أهل المحلة ، أو من سمع الأذان ـ لا سيما في تلك الأزمنة حيث لا مكبرات للصوت ـ أو أهل المسجد .. مسائل في العلاقة بين المتجاورين : 1/ حرمة التجسس وتتبع العورات : أول ما نلاحظه في تشريعات الدين ، نهيه عن مراقبة الجار والتجسس عليه ، وكشف حرماته ، وعوراته . فبالإضافة إلى وجود نهي أخلاقي يتمثل في تقبيح هذا العمل ، والاستعاذة بالله من جار يكون بهذه الصورة ، كما ورد في الحديث عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أعوذ بالله من جار السوء في دار إقامة ، تراك عيناه ويرعاك قلبه ، إن رآك بخير ساءه وإن رآك بشر سره [217]. بالإضافة إلى ذلك فقد حرم ـ شرعاً ـ تتبع عورات الجار ، التي وإن كانت ثابتة بالنسبة لعموم المسلم جارا كان أو بعيدا ، إلا أن مناسبة الحكم والموضوع تقتضي أن يكون التحريم في الجيران أوضح ، فإنه قد يعسر ـ عادة ـ على من يعيش في منطقة أن يتتبع عورات آخر في منطقة بعيدة عنه ، بينما هو في حالة الجوار أمر متيسر . وينبغي أن يشار هنا إلى أنه ليس المقصود من تتبع عورات الجار ، عرضه أو عرض نسائه ، فهذا وإن كان أجلى المصاديق إلا أنه يشمل كل ما كان يسوء الإنسان انكشافها لغيره ..وإن تفاوتت في درجة القبح والحرمة مثلما تتفاوت العورة المعهودة من المغلظة وغيرها .

--> 216 ) الخلاف - الشيخ الطوسي 4 / 153 217 ) الكافي - الشيخ الكليني - ج 2 - ص 669